ابن عربي

120

شجون المسجون وفنون المفتون

الخواصّ ، ومن هاهنا قالوا : إنّ الكلّ واحد ، وقد علمت أنّه من تغيّر لون جليديّة عينه إلى الصّفرة ، فشاهد الأصفر أصفر ، لا يقال : إنّه صحيح النّظر لكونه وأفق لون المنظور إليه في ذاته ، لون النّاظر في صفاته إلّا عند غير الحكيم المعتبر ، فقد علمت أنّ مرض أرباب الدّرجتين ، وهو من قبيل واحد ، وهو فساد النّظر ، ولا صحّة إلّا مع الأنبياء عليهم السّلام ، وأتباعهم « 1 » الّذين تركوا أهواءهم ، إذ نظروا إلى اختلاف الأشياء في ذواتها ، وهو الاختلاف الذّاتي للمنظور ، لا الاختلاف « 2 » العرضي للنّاظر ، ورأوا للجميع فاطرا واحدا ، ولم يروا الكلّ واحدا ، بل عن واحد ، ولهذا قال « 3 » : وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ، واكتفى بذكرهما عن ذكر ما فيهما . واعلم أنّ درجة العوام أشبه بدرجة الأنبياء من درجة الخواصّ بزعمهم وإن كانوا خواصّا بالنّسبة إلى العوام ، فلاختصاصهم بمرض واحد دون أمراض شتّى . صفتان : ربّ عابد هواه رأى خياله في المرآة وحسبه إيّاه ، فترك ما عداه ولم يتعدّاه ، ظنّا منه أنّ ذاته مولاه ، إذ لم ير شيئا سواه ، وقامت بشبهة [ 31 / آ ] شكوكه دعواه ، فأعمته عن عماه ، فقال : أنا الله . وإذا نام هذا المصاب تقطّعت به الأسباب « 4 » ، فكيف به عند الانتباه ، يوم كشف الغطاء ، وزوال الاشتباه . وربّ عابد بايع « 5 » مولاه على ترك ما سواه ، والرّضا برضاه ، ورأى الإيمان بالغيب أولى من كشف الحجاب « 6 » ، فقطع الأسباب ، ولم يطرق الباب ، ومن أراد غير الله ،

--> ( 1 ) في م : « وتبّاعهم » . ( 2 ) في م : « لا للاختلاف » . ( 3 ) سورة الأنعام : 79 . ( 4 ) من قوله تعالى في سورة البقرة 166 : وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ . ( 5 ) في م : « تابع » . ( 6 ) الحجاب : انطباع الصور الكونية في القلب مما يمنع قبول تجلي الحق والكشف يكون بزوال تلك الصور . اصطلاحات الصوفية : ص 75 .